سيف الدين الآمدي
239
أبكار الأفكار في أصول الدين
وإن سلمنا أن العمل بمفهوم الآية يتوقف على عدم تفضيل جنس البشر على جملة المخلوقات فمن عداهم . فلا نسلم أن ذلك يتوقف على عدم تفضيلهم على الملائكة . إذ المراد بالتفضيل في الدار الآخرة ولا في كثرة الثواب ؛ إذ هو المتنازع فيه ؛ بل المراد به : إنما هو التفضيل بإكرامهم في الدنيا بأكلهم بأيديهم ، وباقي الحيوانات بأفواههم ، وحملهم في البر على أظهر الحيوانات ، وفي البحر على السفن . ورزقهم من الطيبات : أي الحلال على ما قال - تعالى - في أول الآية : وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْناهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ وَفَضَّلْناهُمْ عَلى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا تَفْضِيلًا : أي وفضلناهم بهذه الأمور على كثير ممن خلقنا من الحيوانات تفضيلا . وإن سلمنا أن المراد به الفضيلة في الأخرى ، ولكن لا يلزم من كون جملة البشر ليسوا أفضل من الملائكة ، أن لا يكون الأنبياء ، أفضل من الملائكة ؛ فإنه لا يلزم من انتفاء حكم عن الجملة انتفاؤه عن بعض آحاد الجملة . قولهم : إن الملائكة رسل إلى الأنبياء . والأنبياء رسل إلى من ليس بنبي ؛ فتكون الملائكة أفضل . قلنا : لا نسلم أن الأنبياء لم يكونوا رسلا إلى الأنبياء فإن إبراهيم عليه السلام ، كان رسولا إلى لوط « 1 » ، وكان نبيا ، وموسى عليه السلام كان رسولا إلى أنبياء بني إسرائيل . وإن سلمنا ما ذكروه ، ولكن إنما يلزم ما ذكروه ، أن لو كانت فضيلة الرسول مستفادة من شرف المرسل إليهم ؛ وهو غير مسلم . بل فضيلة الرسول لذاته ، ولكونه / رسول الله - تعالى - أو نقول فضيلة الرسول من لوازم كونه رسولا حاكما على المرسل إليهم ، متصرفا في أحوالهم ، على حسب ما يشاء ، ويختار ؛ وهذا غير متحقق في حق الملائكة بالنسبة
--> ( 1 ) لوط عليه السلام : هو لوط بن هاران بن تارح ( آزر ) وقد بعثه الله زمن الخليل عليه السلام ، ولوط عليه السلام هو ابن هاران شقيق سيدنا إبراهيم ، وقد آمن لوط بعمه إبراهيم ، واهتدى بهداه كما قال - تعالى - : فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ ثم هاجر معه من العراق . وقد ذكره الله في كثير من سور القرآن الكريم في سور ( الأعراف ، وهود ، والحجر ، والشعراء ، والنمل ) وغيرها وذكرت قصته مع قومه وأهله مفصلة في بعض السور ، ومجملة في البعض الآخر والقرآن الكريم صور الأنبياء بصورة كريمة بينما صورتهم كتب وأسفار بني إسرائيل بطريقة غير لائقة ونسبوا إليهم من الأفعال ما لا يليق بالبشر العاديين . فقد تقولوا على لوط عليه السلام وابنتيه بما لا يليق وهو النبي الكريم والرسول الأمين . [ قصص الأنبياء لابن كثير ص 192 - 205 والنبوة والأنبياء ص 235 - 240 ] .